السيد محمدحسين الطباطبائي
208
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
أقول : قد مرّ في تفسير الفاتحة أنّ الألفاظ موضوعة بإزاء حاقّ المعاني من غير نظر إلى خصوصيّات المصاديق ، وعليه فالكلام والقول إنّما هو كلام باعتبار ما يدلّ عليه من المعنى الذي يصحّ السكوت عليه ، فما يفيد معنى تامّا فهو كلام وقول ، سواء كان معه لفظ وصوت ، أو كان من غير سنخ الألفاظ كالإشارات ونحوها ، والناس لا يتوقّفون في تسمية الصوت المسموع المفيد فائدة تامّة ، وتسمية الإشارة المفيدة كذلك كلاما . والقرآن أيضا يسمّي المعاني الملقاة في القلوب من ناحية الشياطين كلاما وقولا ، قال سبحانه : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ ، « 1 » وقال : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ ، « 2 » وقال : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ، « 3 » وقال : شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ ، « 4 » وقال - حكاية عن إبليس - : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ ، « 5 » وقال تعالى : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا . « 6 » ومن الواضح أنّ هذه هي الخواطر الواردة على القلوب ، نسبت إلى الشيطان وسمّيت ب : الأمر والقول والوسوسة والوحي والوعد ، وجميعها كلام ، ولا لفظ لساني هناك . ومن هنا يعلم أنّ ما يشتمل عليه قوله : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ
--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 119 . ( 2 ) . الحشر ( 59 ) : 16 . ( 3 ) . الناس ( 114 ) : 5 . ( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 112 . ( 5 ) . إبراهيم ( 14 ) : 22 . ( 6 ) . البقرة ( 2 ) : 268 .